محمد هادي معرفة

448

التمهيد في علوم القرآن

ايجاز وايفاء أم براعة في بلاغة البيان ؟ الإيجاز : هو حذف فضول الألفاظ مع الإيفاء بكمال المقصود . وهو نوع من الكلام شريف ، لا يتعلّق به إلّا فرسان البلاغة ، وسبّاق ميادين الفصاحة ، ممّن سبق إلى غايتها وما صلّى ، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى . وذلك لعلوّ شأنه ورفيع مقامه ، بل ولتعذّر إمكانه على غير أهله . والبليغ كل البليغ من أوجز في كلامه فأوفى ، واختصر في مقاله فأفاد الأمر الذي يصعب على غير النبلاء من أرباب الفصاحة والبيان . وقد كان للقرآن منه الحظّ الأوفر والقسط الأكبر بما أثار الإعجاب وأطار بعقول ذوي الألباب . قال ابن الأثير : والنظر في هذا الباب إلى المعاني بالذات لا إلى الألفاظ ، ولست أعني بذلك أن تهمل الألفاظ ، بحيث تعرّى عن أوصافها الحسنة ، بل أعني أنّ مدار النظر في هذا النوع إنما يختصّ بالمعاني ، فربّ لفظ قليل يدلّ على معنى كثير ، وربّ لفظ كثير يدلّ على معنى قليل . ومثال هذا كالجوهرة الواحدة إلى الدراهم الكثيرة ، فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم لكثرتها ، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة لنفاستها . ولهذا سمّى النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) سورة الفاتحة « أمّ الكتاب » وإذا نظرنا إلى مجموعها وجدناه يسيرا ، لا يتناسب أن تكون « أمّا » لمثل سورة